” إصلاح ذات البين ” …
ليست مجرد مبادرة اجتماعية عابرة تمر علينا مر الكرام ، ولا موقفًا نبيلًا يُحمد له صاحبه ثم يُنسى بمضى الوقت ، بل هى عبادة رائعه تهذب النفوس ، وتوقظ القلوب وتنهض بالهمم وتطفئ نار الخصومات بين الناس ، وتعيد للقلوب صفائها ، وتغرس بين الناس المحبه والموده … وعلينا ” افراد وعائلات وقبائل وهيئات ومؤسسات ” التمسك ” بإصلاح ذات البين ” بكل مانحمله من ثقافه وهويه وقيم واخلاق ومبادئ ، لانها رسالة الله ، فيها كل مفاتيح الفلاح والنجاح في الدنيا والنجاة والفوز بالآخرة .
” اصلاح ذات البين ” …
انه طريق الله … يسلكه أصحاب النفوس الجميله ، والقلوب المضيئة ، هو طريق الصلاحيين الذين اشتروا به وجه الله فى الدنيا ورضاه فى الاخره …
” إصلاح ذات البين ” …
من اعظم العبادات التى امرنا الله بها فى الدنيا …قال تعالى …” لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ” ….
واكدتها الأحاديث النبوية الصحيحه ..قال رسول الله صلى الله عليه وسلم … ” ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ” قالوا … بلى يا رسول الله …
قال ” إصلاح ذات البين ، فإن فساد ذات البين هي الحالقة ” أي التي تحلق الدين وتستأصل جذور الايمان من القلوب …. ” ومجتمع بلا امان … مجتمع فاشل
لذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم درجة ” اصلاح ذات البين ” اعظم من درجة الصيام والصلاة والصدقة ..لان فيها صلاح الدنيا وصلاح الناس ” ..
” وما خلقتا الجن والانس الا ليعبدون ” … والعباده تتوقف فلا تقبل او ترفع الى الله عندما تكون هناك خصومه بين الناس ” …
وتاكيدا لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ ، يلتقيان فيُعرض هذا ، ويُعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ” … ” …
وان ” الأعمال تُعرض كل اثنين وخميس ، وتُحجب مغفرتها عن المتخاصمين حتى يصطلحا “….
…. وان من اكبر الكبائر واعظم الذنوب عند الله تعمد افساد العلاقات الاجتماعيه ” وغرس بذور الفتنه والعداوه بين الناس …” الحالقه ” التى تهدم اركان الحياه فى المجتمع “… ” والقلوب التى تخلوا من الاصلاح كالاوطان الخربه لا تصلح للسكنى او العيش فيها “…
…” الحالقه ” التى تنزع الرحمه من الصدور وتطفئ الإيمان من القلوب … وجزاء افساد العلاقات بين الناس … ” خزى من الله فى الدنيا شديد وعذاب فى الاخره عظيم ” نار جهنم يصلها وبئس المصير ” ..
الخصومات بين الناس تمزّق ارحام المجتمع التى فيها سعة للارزاق وبركة للاعمار ورضا للرحمان ، وتزرع فيهم نيران الشر التى لا تبقى ولا تذر ، وتجعل المجتمع غابة ياكل فيه القوى الضعيف ظلما منه وعدوانا ….
إصلاح ذات البين… أمان المجتمع واستقراره …
عندما يتذوق المجتمع حلاوة عبادة ” اصلاح ذات البين ” يصبح مجتمع راقى ، يكون فيه افراده سندا لبعضهم ، ودواء شافي يطفئ نيران الحقد المشتعله فى الصدور قبل ان تلتهم افراده وتحرقهم .. .
وحين يسعى أهل الله .. الذين وصفهم الله بان ” لله رجال اعدهم لقضاء الحوائج ” والصلح بين المتخاصمين ، فلا تتحول الخلافات الصغيرة إلى صراعات مريرة ، بهم طوى المجتمع صفحات سوداء مظلمه باوجاعها وقسوتها بصفحات جديده بقلوب صافيه وسرائر نقيه … “… انهم حكماء المجتمع يعملون بقول الله تعالى ” إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاءا ولا شكورا ” …
والاوطان التى يسكنها الإصلاح …
افراده قادرون على ” ازالة الخلافات والنزاعات التى تطفوا على السطح ” وغلق كل ابواب الصراعات ومحو كل الفتن التى تغرس لهم من الاعداء ليسقطوا فى مستنقعات ودوامات الازمات التى لاتتوقف … يعملون بقول الله تعالى بمبدأ ” وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ” …حتى اصبحوا مجتمع قوى قادر على مواجهة العواصف ، مجتمع متين كالبنيان المرصوص ، وصلب لا تزعزعه مؤامرات ولا تفت في عضده الفتن .
إصلاح ذات البين.. أساس الاستقرار والتنمية….
ولانه لا تنمية بلا طاقات ، ولا استقرار بلا قلوب متصالحة ومتألفه .
فان كثير من الطاقات يتم اهدارها عبثا في ساحات المحاكم وداخل أقسام الشرطة ، فى نزاعات لو وُجد لها حكماء يصلحونها لانطفأت في لحظتها .
ان إصلاح ذات البين يوفّر للمجتمع طاقات هائله للبناء والعمل والإنتاج … انه وقود التنمية ، وروح النهضة ، وأساس الحضارة .
إصلاح ذات البين.. صناعة الأمم ونهضة الشعوب…
حين نزرع هذه العبادة في القلوب وتصبح ثقافه عمل فى المجتمع ، فانها لا توحّد الأفراد فحسب ، بل تصنع منهم امه وحضاره ، ووطنًا آمنًا ….
إنها عبادة تُسعد الناس ، وتُرضي الله ، وتُغضب الشيطان ، وتُغيظ أعداء الوطن … انها سر قوة المجتمع بقول الله تعالى ” لا تنازعوا فتفشلوا فتذهب ريحكم ” قوتكم ” ..
وقول الله تعالى … ” كونوا عباد الله إخوانًا ” اخوانا فى الوطن ، اخوانا فى الانسانيه ، اخوانا فى هذا العالم ، بقلوب صافية ونوايا خالصة .
لان فيها جمع لكلمه المجتمع ، ووحدة للصف الوطنى ..
وان افضل عمل يتركه العبد فى الدنيا خلفا له هو ” الإصلاح بين الناس ” …
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث … ” صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ” … واصلاح ذات البين تمتد بجذورها الطيبه لتبقى للعبد فى الدنيا بعد موته اما فروعها وثمارها فانها تنتظره فى الجنه ….
و الحمد لله رب العالمين.




