التغيير من أعظم سُنن الله في كونه …
التغيير هو النبض الخفى الذى يسرى فى عروق هذا الكون منذ ان قال الله له ” كن ” ” فكان ” .. ومن سنن الله فى هذه الدنيا … لا شباب فيها يبقى ، ولا صحة تدوم ، ولا جمال يظل كما هو على حاله ، ولا حكم يستمر فى يد احد للأبد ، ولا سلطان يستطيع ان يحمي ملكه من الزوال ، ولا ظلم يكون ابدا سيفا مسلطا على رقاب العباد مدى الدهر ، ولا عدل يستمر بلا تبديل . فالله وحده هو الثابت بلا تبديل او تغيير ” لانه هو ” الحى الذى لايموت ” ، الباقى بلا زوال ، والقادر على كل شئ ” …
ان حكم الله فى كونه ” التغيير والتبديل ” وهى ” سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ” ….
ان سنن التغيير وتبديل الأحوال ماهى الا تذكره ” فذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين ” ، تتزود فيها بالخير فى دنياك لاخرتك قبل أن تاتى عليك لحظه تطوى فيها صحيفة اعمالك ، فلا تستطيع أن تضع فى ميزان حسانتك يوم القيامه عملا واحده ينفعك .. ” فتقعد ملوما محسورا ” .. واعملوا ليوم تنقذون فيه انفسكم من النار ” بشق تمره “… ” واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ” …
ان لم تكن سنة التغيير فى الدنيا لك واعظا فلن تنفعك كل المواعظ …
سنن التغيير تعلمك ان النفع والضر بيد الله وحده…
“واعلم انه لو اجتمعت السماوات ومن فيها ، والأرض ومن عليها على أن يضروك بشيء ، لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ”
واعلم ان الكبرياء لله وحده لا ينازعه فيه احد ، وان مصير المتكبرين فى الدنيا ان تدوسهم الاقدام و تسوى بهم الارض وان يمحوا من الحياه فيخرجون منها محمولين بلعنات الناس عليهم وغضب عظيم من الله ، وهو مصير كل من يتعامل مع خلق الله باحتقار وازدراء .. اما من يتواضع للناس رحمة بهم ، فان الله يعلى قدره فى الدنيا ويرفع مكانته فى الاخره ..
سنن التغيير هى مسرح الحياه الذى تعرض عليه اعمال البشر ..
سنن التغيير هى مسرح الحياه التى تعرض عليه اعمال البشر ، وتدور فيه كل الاحداث التى لا تعرف الثبات . فلا شيء فى الحياه دائم أو خالد إلا الله ، وما عداه تجرى عليه سنن التغيير والتبديل ” …
وان سنن التغيير تعلّمك بأن الثقة واليقين لا تكون الا لله وحده ، فاقدارنا جميعا تدور في فلك مشيئتة ورضاه ، واننا جميعا ” كل خلقه ومخلقاته ” نخضع لقوانين حكمه فى التبدّيل والتغيير دون استثناء .
من عجائب البشر ان مشهد التغيير يتكرر عبر آلاف السنين … ” وهم فى غفلة معرضون “
يظن كثير من البشر ان حياتهم باقية فى الدنيا لن تزول ، وأن الموت بعيد عنهم ولن ياتيهم ابدا ، وأن ملكهم لن يُنتزع من بين ايديهم ، فإذا بسنن التغيير تقتحم عليهم حياتهم دون اذن منهم بعد ان ارسلت لهم دون جدوى مئات من الاشارات والعلامات ، لتهدم عليهم سنن الله عروشهم وتسقطها فى ليلة وضحاها ، وتطيح بامبراطورياتهم التى كانت ملء السمع والبصر قرون طويله ، فتصبح بسنن الله عليها اطلال لا نراها ولكن نشاهد اثرها ، وتصبح سطورا تكتب فى كتب التاريخ ، بسنن الله تتغيير موازين القوى فى الدنيا . وياتى الله باقوم لم يسمع بهم احد ليتصدّروا زعامة حكم الدنيا وقيادتها ، ولكن عليهم ان يتعلموا من سابقيهم الذين ظنوا ان الموت بعيد عنهم فإذا به يطرق ابوابهم وينتزع الحياه من أرواحهم … ليسدل عليهم الموت استار الدنيا ” فاعتبروا يا اولى الألباب ” حينها فقط قد لا يظلمون ولا يتجبّرون على احد كسابقيهم .
عجبًا لهؤلاء البشر حقا ! فكم مرة تكررت مشاهد سنن التغيير امام عيونهم ؟ ” ولم ينتبهوا إليها ” …
ومما يدهش العقل وتتعجب له القلوب والافئده ان القادمين بعد كل مأساة بشريه يكررون نفس الاخطاء ويقعون فيها وكان عيونهم لا تبصر ، وكانهم لم يقرأوا التاريخ ، ولم يشاهدوا نهايات من قبلهم ، ومع ذلك ، تظل الغفلة هي سيد الموقف ، حتى تصدمهم سنة التغيير ، فيفقدون كل ما كانوا يملكونه بالأمس ” مال ، وصحة ، وشباب ” …
فيالها من سنن واحداث تمر علينا مر الكرام فلا نلتفت اليها !
وهنا يجب علينا ان نذكر انفسنا والاخرين ، بان على كل واحد منا مسئوليه كبيره ومهمه ليست بالهينه ، وهى الا نسمح لمغريات الدنيا ان تفترسنا او ان توقعنا فى شباكها كما وقع من سابقونا فغرتهم الدنيا بما امتلكوه فيها من سلطان وقوه ونفوذ ” فما زاداتهم الا ظلما وطغيانا ” فكانت عاقبة امرهم وابلا ونهايتهم شؤما عليهم ، ولا نكون كالذى حمل خطاياه وذنوبه فوق كاهله فلم يقدر على حملها فسقط بها فى نار جهنم .
_ويبقى سؤال اخير ؟ ما هو الثابت فى دنيا تتصارع فيها أمواج التبديل وتتلاطم فيها سنن التغيير ؟
الجواب هو : انه هو ” الله وحده الذى لا يتغيّر ” … ” فهو الاول بلا اخر والاخر بلا اول ، وهو الظاهر والباطن ، وهو الذى لا يتبدل ولا يزول ” .
لذلك كانت رسالته لعباده “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، أي ليُدركوا أن عبادتهم هى لله وحده ، وان ادارته لكونه له وحده ، وان كل ما عداها وهم وكل ما دونه سراب ، وان الاعتماد على سواه خيبه وندم ، وان عبادتك له هى طريق النجاه من تصيبك سنن التغيير وتقلبات الحياه بالشر والسوء .
حين تدرك هذه الحقيقة ، فانك سوف تنتبه وتستيقظ من اوهام الغفله وسوف تحصن نفسك وتمنعها من ان تتكبّر ، او ان تظلم ، او ان تسيء لأحد ، بل ستكون بارًّا رحيما بالناس جميعا ، لانك ادركت ان الحياه هى دار عبور ومرور ، لا دار خلود وبقاء .
حينها … ستعيش فيها بقلب نقى صالح ، لا يفرح بما جمعته ، ولا يحزنه ما تتركه وتتخلى عنه ، قلب امتلأ بطاعة الله وحبه ” الثابت الذى لا يتغير ولا يزول “….والحمد لله رب العالمين




