هناك لحظات لا تُقاس بالزمن، بل تُقاس بتأثيرها في الروح.
حين وطئت قدما الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، شابًا طموحًا، أرض مصر، لم يكن يعبر مجرد حدود جغرافية، بل كان يعبر بوابة للمعرفة والانتماء.
على ضفاف النيل، لم يكن يشرب الماء فقط، بل كان يشرب من نبع التاريخ، من عمق الهوية، ومن عراقة حضارةٍ أنارت دروب العقول لآلاف السنين.
كان النيل يهمس له، وكأنه يقول: هنا، يا سلطان، ستغرس جذور رؤيتك، لتنمو يومًا وتثمر في أرض أخرى… اسمها الشارقة.
فى رحاب مصر :
في ستينيات القرن الماضي، كانت القاهرة مدينةً تعج بالفكر، وتشع بالأدب، وتحتضن حناياها نخبة من العقول النابضة بالحياة.
التحق الشيخ سلطان بكلية الزراعة بجامعة القاهرة، حيث لم يكن العلم محصورًا في القاعات، بل كان يسري في الطرقات، ويُتداول في المقاهي، ويُقرأ في المسرحيات والكتب والصحف.
مصر لم تكن مجرد محطة دراسية، بل كانت مرآة كبرى رأى فيها نفسه عربيًا مثقفًا، متجذرًا في تاريخه، وممتدًا نحو المستقبل.
وفي إحدى لحظاته الصافية، على ضفاف النهر، شرب كأس ماء من النيل، كان طعمه مختلفًا — طعم انتماء لا يُنسى.
ثمار العلم : من المعرفة إلى النهضة
تجلّت آثار تلك الرحلة العلمية لاحقًا في مشروع حضاري متكامل قاده الشيخ سلطان في الشارقة.
فقد عاد إلى وطنه لا يحمل شهادة جامعية فقط، بل يحمل فكرًا إنسانيًا متكاملًا، فيه عشق للثقافة، وولاء للهوية، وإيمان بدور التعليم في بناء الإنسان.
* أنشأ جامعات تُضاهي أرقى المؤسسات العالمية.
* أسّس مهرجانات ومعارض ومكتبات تُغني الوعي وتُعلي من قيمة الكلمة.
* وفتح أبواب المسرح، ليس للتسلية، بل ليكون منبرًا للفكر والنقاش والتعبير الحر.
الشارقة أصبحت، بفضل هذه الرؤية، عاصمة للثقافة، ومرفأً للباحثين، وحديقة تنمو فيها الأحلام.
نخلة لكل مواطن: الزراعة كفلسفة انتماء
ومن رحم الزراعة التي درسها في مصر، نبتت فكرة إنسانية عميقة في قلب الشيخ سلطان: نخلة لكل مواطن.
ليست النخلة هنا مجرد شجرة، بل رمزٌ، ظلٌّ، تاريخ.
هي صلة الوصل بين الأرض والإنسان، وبين الماضي والمستقبل.
بغرس نخلة في كل بيت، أراد الشيخ سلطان أن يُعيد الإنسان إلى جذوره، أن يُعلّمه أن الزراعة ليست فعلاً مادّيًا فحسب، بل فعل حب، وامتداد روحي، ونبض مستمر للعطاء.
من النيل كانت البداية، ومن القاهرة أضاءت أول شمعة في درب طويل.
وحين عاد الشيخ سلطان إلى الشارقة، لم يكن يحمل كتبًا فقط، بل كان يحمل مصر معه — في روحه، في صوته، في رؤاه.
واليوم، حين تتمايل النخيل في شوارع الشارقة، وحين تُقام المهرجانات الثقافية، وتُفتتح الجامعات، نُدرك أن تلك الكأس التي شربها ذات يوم على ضفاف النيل، لم تكن ماءً فقط، بل كانت وعدًا…
وعدًا أن تنبت الحضارة من جديد، في صحراء أصبحت اليوم واحة للعلم، ومأوى للفكر، وعاصمةً للثقافة العربية: الشارقةالتي تُضيء، وتُبدع، وتلهم.




