سيدة الجودو
كيف قادت د. سيدة السمادوني ثورة نسائية على البساط العربي؟
بقلم: كريم علاء الدين
في لحظة من التاريخ، كان حضور المرأة على بساط الجودو العربي أقرب إلى الوهم، وكانت الفتاة التي ترتدي بدلة “الكيمونو” البيضاء كأنها تسير في أرضٍ لا تخصها.
لكن من تلك الأرض، ومن قلب القاهرة، خرجت امرأة قررت أن تغيّر قوانين اللعبة لا فقط قواعد الرياضة.
خرجت الدكتورة سيدة السمادوني.
امرأة لم تكتفِ بعبور الأسوار، بل هدمتها. لم تكن مجرّد مدربة، بل كانت أشبه بمنارة إنسانية، تقود جيلاً كاملاً نحو الاحتراف، والنور، والكرامة.
الميلاد الأول… جسدٌ يقاتل، وروحٌ تحلم
ولدت مسيرة الدكتورة سيدة في مصر، لا داخل صالة دولية أو اتحاد رياضي ذائع الصيت، بل داخل قرار داخلي هادئ: أن الجودو ليس حكرًا على الذكور، وأن الجسد الأنثوي لا يقل شجاعة أو انضباطًا أو قدرة على المواجهة.
في مجتمع لا يُصافح بسهولة مفردات القوة عند النساء، اختارت أن تكون الجودو طريقتها في المصافحة مع العالم.
مارست الرياضة، ثم تمرّدت على حدود اللاعبات، لتصبح مدرّبة تنقش وجودها في عقل كل فتاة درّبتها.
لم تكن تعلّم فقط كيف يُلقى الخصم أرضًا، بل كيف تُعاد هيكلة النفس بعد كل سقطة، وكيف يكون الوقوف فنًا لا يُتقنه سوى من سقط كثيرًا دون أن ينكسر.
من اللعب إلى القيادة… الطريق الذي صنعته بيديها
كانت لاعبة بنادي الزمالك في رياضتي الكرة الطائرة وألعاب القوى في بداياتها، لكنها وجدت في الجودو التشويق والمغامرة الحقيقية.
انطلقت من هذه اللعبة من المحلية إلى الساحة الدولية، وشاركت في بطولات عربية وأفريقية، وكذلك بطولات ومعسكرات دولية منها بطولة إنجلترا واليونان، حيث حصلت على ذهبية هناك.
كما شاركت في معسكرات تدريبية في اليابان وفرنسا، ما صقل تجربتها وساهم في بناء رؤية مختلفة لرياضة قتالية ترتكز على الذكاء قبل القوة.

إلى المملكة… حيث بدأت الثورة الحقيقية
حين استدعتها المملكة العربية السعودية في عام 2018 لتبدأ تأسيس رياضة الجودو النسائية، لم تكن تذهب إلى وظيفة، بل إلى بعثة تغيير.
كانت الأرض بكرًا. لا بطولات، ولا لاعبات، ولا تقاليد.
لكنها حملت معها فكرة: أن الرياضة حق، والصوت النسائي لا يُخنق، حتى لو ارتدى زيًّا قتاليًا.
في عام 2019، نظّمت أول بطولة جودو للسيدات في تاريخ المملكة.
وفي العام التالي، قادت أول بطولة رسمية لجميع المراحل العمرية.
كانت البداية أشبه بزخّة مطر في صحراء، لكن الأمطار توالت.
وما بدأ كفكرة، صار نظامًا نسائيًا رياضيًا كاملاً.
من الظلال إلى الذهب… قصص كتبتها العيون
لكن إنجازات الدكتورة سيدة لم تكن محصورة في تحقيق بطولات رسمية.
كانت أعظم انتصاراتها تلك التي لا تُقاس بالزمن، بل بالدموع.
قادت منتخب الكفيفات للمشاركة في بطولات عربية ودولية.
فأحرز الفريق ميداليتين في مجال ذوي الإعاقة البصرية: واحدة ذهبية عربية، والأخرى برونزية في البحرين.
في تلك اللحظة، لم يكن المشهد عن رياضة، بل عن إنسانية تنتصر، وعن بصيرة تهزم العمى.
أرقام تُقرأ مثل الشعر
حين تُقرأ إنجازات الدكتورة سيدة السمادوني، لا ينبغي أن تُقرأ كمجرّد نتائج.
إنها قصائد صلبة مكتوبة على وسادات tatami، بخط العرق، والدم، والإيمان.
3 ذهبيات + فضية + برونزية في بطولة غرب آسيا – الأردن
إعداد وتجهيز لاعبات للمشاركة في أولمبياد طوكيو 2021
المشاركة في بطولة العالم للسيدات – بودابست – المجر
المركز الثالث في بطولة المملكة للجودو للسيدات – 2023
تدريب جميع مراحل الجودو النسائي في نادي الهلال السعودي حتى 2024
مدربة المنتخب السعودي للكوراش – 2025، والمشاركة في معسكر قرغيزستان
4 سنوات من تدريب الطالبات في جامعات سعودية على الجودو، وتمثيل الاتحاد في مدارس مختلفة
امرأة تُدرب… لكنها تصنع الإنسان
في كل تمرين، وفي كل سقوط مدروس على الأرض، كانت الدكتورة سيدة تقول لجيلٍ من الفتيات:
“أن تنهضي هو فعل نصر. أن تكوني قوية هو فعل مقاومة.”
كان التدريب عندها فعل تربية.
فهي لم تدرّب فقط على الحركات والإسقاطات، بل زرعت في لاعباتها مفاهيم الانضباط، والكرامة، والاحترام، والتفكير الإستراتيجي.
وفي الوقت الذي كانت تُعدّ فيه خططًا بدنية، كانت أيضًا تُعدّ خريطة نهوض اجتماعي، حيث تصبح الرياضة أداة لإثبات الوجود، لا فقط لرفع الكؤوس.
سيدة الجودو… علّمتنا أن الوقوف بعد السقوط أقوى من الفوز نفسه.
سيدة السمادوني… اسم لا ينتهي
أن يُكتب عنك الآن، هو تأكيد أنك لم تكوني عابرة.
وأن يُكتَب اسمك “د. سيدة السمادوني” في أرشيف الجودو العربي والنسائي، هو لأنك كنتِ البداية والمنارة والمسار.
أنتِ لستِ فقط مدربة.
أنتِ صاحبة الثورة البيضاء، ومؤسسة الحضور النسائي على البساط العربي، والمُلهمة التي زرعت في كل فتاة فكرة: أن الرياضة ليست ترفًا، بل حقٌ، ومكان، وصوتٌ له جسد واسم وحلم.
“سيدة الجودو ليست قصة نجاح، بل بداية فصل جديد للنساء في الرياضة العربية.”
“وإن قيل في يوم: من وضعت اللبنة الأولى لبيت الجودو النسائي العربي؟ فسيكون الجواب: سيدة… اسمًا، ومقامًا.”




