ماذا فعلت بنا الغربة … افقدتنا اغلى من نحب …. كتب الشريف المستشار إسماعيل الأنصاري
الغربة ليست سفرا لمكان بعيد ، ولا ابتعادا عن أرض كنا نعيش فيه … ولكن الغربة.نزيف يسكن القلب ، وألم دفين فى اعماق النفس ، يستبدلنا ويغيرنا ويمحو ملامحنا ، ويفقدنا أجمل ما كنا نملكه فى الحياه .
الغربه اخذت أنفسنا قبل أن تاخذنا من أوطاننا ، سرقت أرق ما كان فينا من مشاعر طيبه وحنين وموده ، بدلت طباعنا ، وأعادت تشكيل أرواحنا بقسوه كأننا خلقنا من حديد ، لا من لحم ودم … يفرح ويحزن ويسامح ويعفوا ويغفر ..
الغربة غرست في صدورنا شده عذبنا بها من نحب ، وفجرت في أعماقنا مشاعر غضب احرقنا بها من بلا رحمه او شفقه .
ماذا فعلت بنا الغربه .. نصحو فلا نجد أنفسنا التى نعرفها …
وكأن رياحا شيطانيه ملعونه هبت علينا ، لكسر أرداتنا ، وزرع الخوف فى نفوسنا ، حتى نفقد انفسنا فى ايام وسنين الغربه ونغرق .
ولولا الحنين الذي يشدنا لوجوه من نحب ونشتاق اليهم …
ولولا دفء الذكريات الذي يربطنا بجذورنا القويه…
لخسرنا كل ما تبقى لنا من صفات انسانيه جميله …
أشد أنواع الغربة ألما ليست التي تكون في ارض بعيدة ، بل حين يصبح الإنسان غريبا بين أهله ، ووسط جيرانه ، ومع أصدقائه … حين يفتقد الانسان نفسه ولا يجد ذاته فى وطنه .
وقتها ندرك أن الغربة ليست مكانا فى بلاد بعيده … بل إنها حالة روح تنكسر فلا تعود كما كانت …
لاتغرنكم الغربه ، فانها بحور لاتهدأ امواجها … تبتلع كل من أصر على السباحة فيها .. ولن تترككم حتى تاخذكم من احبابكم ..
لاتغتروا بالغربه فان لياليها طويله مظلمه وبارده لن تتوهج نورا إلا بدفء ذكريات الوطن …
دفء البيوت التى يسكنها الترابط والموده … وابتسامة الاحباب ، والمشى فى الطرقات ، والنظر من النافذة على جمال الوطن .
تجنبوا الغربه فهي سيف يقطع حبال الحب ، ويمزق خيوط المودة ، الغربه تجعلنا نعيش الحياه باجساد ضعيفه منهكه … وقلوب مملؤه بالخوف والجزع .
قد نمتلك في الغربة كلّ مظاهر ” الراحة ” التى كنا نسعى اليها ونتمتاها …
لكننا نفقد فى المقابل ما هو اغلى وما هو أثمن
قد نربح المال ، ولكننا نخسر أنفسنا .
نملأ حقائب السفر ، ولكننا نترك خلفنا قلوبنا بلا سعاده .
قد نقف فى بادئ الامر مبهورين على أبواب المدن المزينه بعد ان سحرنا بريقها الزائف ننشد فيها القصائد ، لكن الجمال الحقيقى فى وطن تشتاق الوقوف فيه امام ابواب بيوته القديمه التى صنعتها ايادى الحب .
ان قسوة الغربة تعلمنا أنه لا سعادة الا فى الوطن ومع من نحب …
الغربة تجعل قلوبنا قاسيه ، تجعلنا بلا إحساس بلا مشاعر ، تجرفنا بعيدا عن الحقيقه وتشعرنا اننا على صواب وان ما نصنعه فى وطن ليس لنا ونحن ضيوف عليه هو الافضل …
الحقيقه ان الغربه جعلت منا ماكينة تعمل لغيرها بلا مشاعر لنحقق له ما يريد منا مانريده نحن ونتمناه .
الحقيقه ان ما نفقده في الغربة أكبر من أي مكسب تعتقد انك قد فزت به وحققته لنفسك .
فلا شيء فى الغربه يمكن ان يعوضك عن لحظة واحدة في حضن من تحب مهما امتلكت من خيرات ونعم .
الحقيقه اننا نخرج إلى الغربة بحثا عن الحياة … فاذ بنا نفقد انفسنا والوطن والحياة .
قد يكون لنا العذر عندما نغترب لمواجهة اعباء المعيشه التى اشتدت علينا ، فنبحث عن ابواب رزق فى ارض بعيده .
لكن علينا ان نبقى أرواحنا متصله بخيوط الوطن تشدنا اليه فنعود اليه …
وعلينا الا ننسى فى الغربه اننا نحيا بأنفاس من نحب ، وبذكريات من عشنا معهم ، حتى تعود الروح مره ثانيه إلى جسد الوطن ، كما تعود الطيور المهاجره الى موطنها …
والحمد لله رب العالمين




