لقد أودع الله في الإنسان هذا المخلوق الذى خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته شيئًا من صفاته وقدرته ، صفات امره أن يتحلّى بها وان يظهرها فى كل جوانب حياته وفى كل علاقاته وتعاملاته مع الاخرين ، فان قام بها رضى عنه فبها يعم الخير عليهم ويسود الحب العدل بينهم وينتشر الامن والامان ، وافعال اخرى امره بتجنبها او الاقتراب منها ” افعال ابليس اللعين ” التى تفتح عليهم ابواب الشر والاذى وغضب الله عليهم وعقابه …
والله فتح للإنسان من أبواب العلم والمقدره ما لم يفتح به على مخلوق غيره ” وعلمناه من لدنا علما ” قال تعالى ” وعلم ادام الاسماء كلها ” ، وبسط له من قدراته … فقال ” ياعبدى كن عبدا ربانية تقل للشئ كن فيكون ” قدرات لا يستطيع غيره بلوغها .. لا ملك من نور او جان من نار ، بها يمكنه صنع كل شئ والتحكم فى كل شئ على ارض الله حتى إذا ما اخذه الغرور والكبرياء من عظم ما أعطى له …حينها ياتيه امر الله ” حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ”…
والله فتح الله للإنسان من خزائن حكمته ما يجعله قادرا على البناء المذهل ” يبنون مصانع للخلود ” وعلى الإبداع المعجز والإنجاز المبهر والانتقال اللحظى … قال من عنده علم من الكتاب لسيدنا سليمان عليه السلام عن عرش بلقيس ” انا اتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك ” ، وكل هذه القدرات التى أودعها الله الناس على الارض ليكونوا شهودًا على عظمة الخالق في خلق هذا المخلوق الذى جادلت الملائكه فى جوده وعصى ابليس امر ربه بالسجود له غيرة وحجدا لعظم مكانته بين خلق الله .
فالإنسان هو التجسيد الحي لقدرة الله على الارض ، مخلوق اصطفاه من بين الكائنات ، ففضّله على الملائكة بالعقل والاختيار ، وتفوّق على الجن بالإرادة والإبداع .
في الإنسان لغة بليغه صامتة لا تتحدث عنه تكمن فى اعماق نفسه الطيبه وصفاء وقلبه وجمال سيررته ترتسم على وجهه فنرى بها نور ايمانه ورقى صفاته منعكسا فى نور وجهه ” سماهم فى وجوههم من أثر السجود ” من مداومة طاعة الله …. فنجد صفحة اعماله المكتوبه عند الله ترتسم على وجهه نورا …
اما من يختبئون فى الظلام ولا يحبون لاحدا الاطلاع على اعمالهم التى يكرها الله ،فانهم اهل الشر نهجهم ان يظهروا الخير للناس ويبطنون الشر فى قلوبهم … تلك صفات المنافقين ..قال تعالى ” إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ” لاترى فى وجوهم الا ظلمة القبر والموت والخراب ..
ومع ذلك ، علينا أن نحذر الغرور ، وألا ننسى أننا مهما بلغنا من قوة هائله وعلم جبار وعمر مديد ، فإننا لسنا الا عبادٌ لله ، ضعفاء بين يديه ، مصيرنا هو الموت والعودة اليه ، واننا مهما جمعنا فى الدنيا من اموال ومناصب فلن نصحب معنا إلا أعمالنا . التى سنأخذها معنا ؟ فامت يكون فيها رضا الله ونعيمه، أم غضبه وجحيمه؟
أيها الإنسان… أنت أعظم مخلوق كرّمه الله بيديه ، وأعطاك حرية الاختيار، فلا تفرّط في هذه النعمة ، ولا تسرع في طريق الشر فتندم ، بل اجعل إرادتك في طريق الخير ، ففيه نجاتك وسعادتك الأبدية.
فحرية الاختيار اما تقودك الى خير فتثاب عليه ، أو شرا فتعاقب عليه ” قضى الامر الذى فيه يستفتيان ”
” فبأيِّ آلاءِ ربِّكُما تكذِّبان ”
فبأي نِعَم ربكما -يا معشر الجن والإنس- تكذبان ؟
والحمد لله رب العالمين




