حين يصبح الضجيج بطلاً… بقلم : أميرة توفيق

_ حين تختل المعايير

في مجتمع باتت فيه المعايير مرتبكة ، تُقاس فيه القيمة بعدد المتابعين ، ويُحدد فيه النجاح بما يُحدثه من ضجيج ، تطلّ علينا من آنٍ لآخر قضايا تتصدر الرأي العام ، لا لأنها تمس جوهر المجتمع ، بل لأنها تُثير الجدل ، وتخاطب ما هو أدنى من وعينا.

القضية الأخيرة التي أثارت جدلًا واسعًا في مصر ، والمتعلقة بإحدى صانعات المحتوى ، لم تكن مجرد واقعة فردية أو تصرف شخصي يستحق الإدانة أو الدفاع.

بل هي عرضٌ لمرضٍ أعمق.
مرض يتجلى في التهافت الجماهيري على المحتوى السطحي ، وتجاهل صُنّاع الفكر والمعرفة ، الذين يقفون – بكل صبر – على الهامش ، يُقدّمون ما ينفع الناس ، دون أن يجدوا ذات الالتفاف ، ولا حتى الحد الأدنى من التقدير .

_ لابد من المواجهة واستخلاص الاسباب :

نحن اليوم أمام سؤال ثقيل ، لا بد أن يُطرح بوضوح :
كيف صارت منصات التواصل حاضنة للابتذال ، وطاردة للفكر ؟
وكيف نلوم شبابًا يستسهلون طرق الكسب السريع ، بينما نماذجهم الأعلى هي من صعدت بلا اجتهاد ، ولا دراسة ، ولا مضمون ؟

ليس الذنب ذنب التكنولوجيا ، ولا السوشيال ميديا في ذاتها ،
بل في تواطؤ الصمت حين نتجاهل دعم المحتوى الهادف ،
وفي خمول الوعي حين نستهلك التفاهة بلا تفكير ،
وفي غياب المسؤولية حين نترك الفضاء العام لمن لا يحسنون إلا صناعة الفوضى .

_ من يجتهد لا يراه احد او يلقى اهتمام :

في المقابل ، هناك من الأطباء ، والأساتذة ، والمثقفين ، والمبدعين ، من يبذلون جهدًا يوميًا لبناء محتوى معرفي ، علمي ، فني ، أو إنساني ، يحترم العقول ويُضيف للوعي .

لكن دون دعم جماهيري حقيقي ، ودون تقدير إعلامي عادل ، يذبل هذا المحتوى في صمت ، ويختفي أمام الزخم المُضلّل للسطحية.

المعادلة التي باتت تُشكل وجدان جيل كامل يجب أن تُراجع .
جيل يظن أن النجاح لا يحتاج إلى علم ، ولا إلى خلق ، ولا حتى إلى مضمون .
جيل يرى الشهرة تُمنح لمن يجرؤ على كسر القيم.

أكثر مما تُمنح لمن يبني فكرًا أو يقدم رسالة.

وهنا لا بد أن نُعيد طرح الدور المجتمعي لكل فرد :
لم يعد كافيًا أن ننتقد الابتذال بل علينا أن نُحارب غيابه الحقيقي :
غياب البديل المدعوم ، والمحتوى المُشجّع ، والنماذج التي تستحق أن تُرى وتُسمع .

ففي النهاية ، الخوارزميات لا تُحرّك نفسها… بل تتحرك بناءً على اختيارات الجمهور .
وما يُروَّج له ، وما يُصعَّد ، وما يُعاقب ، لا تملكه يد خفية…بل نحن.
إن إعادة الاعتبار لصوت العقل ولمن يُقدّمون مضمونًا حقيقيًا على هذه المنصات ، هي مسؤولية مشتركة .

_ دعوى مجتمعيه لدعم كل ماهو جيد :

دعم المحتوى الهادف ليس ترفًا ولا خيارًا جانبيًا… بل هو موقف.
موقف يُعبّر عن شكل المستقبل الذي نريده لنا ولأبنائنا.
فإما أن نُشارك في ترسيخ قيم تحترم العقول
وإما أن نظل نُصفّق لضجيجٍ لا يُنتج إلا المزيد من السقوط.

  • Related Posts

    الإعلامية عائشة الرشيد : ألمانيا تستعد لحرب مع روسيا

    قالت الإعلامية عائشة الرشيد إن ألمانيا أعلنت عما كانت تفعله في السنوات الأخيرة وهو إنشاء أكبر قوة عسكرية برية ولوجستية في أوروبا بهدف مواجهة روسيا. موضحة أن وزارة الدفاع الألمانية…

    الإعلامية عائشة الرشيد : آلاف الإسرائيليين يتظاهرون ضد الحكومة

    قالت الإعلامية عائشة الرشيد إن آلاف الإسرائيليين قاموا بمظاهرة حاشدة ضد الحكومة وسط تل أبيب مع وقف إطلاق النار مع إيران ورفع قيود الدفاع المدني عن السكان. موضحة أن المظاهرة…

    You Missed

    الإعلامية عائشة الرشيد : ألمانيا تستعد لحرب مع روسيا

    الإعلامية عائشة الرشيد : ألمانيا تستعد لحرب مع روسيا

    الإعلامية عائشة الرشيد : آلاف الإسرائيليين يتظاهرون ضد الحكومة

    الإعلامية عائشة الرشيد : آلاف الإسرائيليين يتظاهرون ضد الحكومة

    الإعلامية عائشة الرشيد : إيران منبوذة وفي عزلة في المنطقة

    الإعلامية عائشة الرشيد : إيران منبوذة وفي عزلة  في المنطقة

    الإعلامية عائشة الرشيد : الحرب العالمية الثالثة في مضيق هرمز

    الإعلامية عائشة الرشيد : الحرب العالمية الثالثة في مضيق  هرمز

    الإعلامية عائشة الرشيد : محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه مسرحية

    الإعلامية عائشة الرشيد : محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي دونالد  ترامب ونائبه مسرحية

    الإعلامية عائشة الرشيد : الذكاء الاصطناعي حرب بين أمريكا والصين

    الإعلامية عائشة الرشيد : الذكاء الاصطناعي حرب  بين أمريكا  والصين