بقلم / الربان وسام هركي
في عالم تتسارع فيه حركة التجارة الدولية، تظل الممرات البحرية هي العمود الفقري الذي يحمل على عاتقه الجزء الأكبر من حركة مرور السلع و الطاقة بين القارات، هذه الممرات ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل هي مفاصل إستراتيجية حيوية، يتوقف عليها إستقرار كافة الإقتصاد العالمي و من بين أبرز هذه الممرات يبرز مضيق ملقا “Malacca strait”، إلى جانب مضيق هرمز و قناة السويس و مضيق باب المندب و قناة بنما و جبل طارق و البسفور وغيرها من الممرات التي تشكل شبكة تربط الشرق بالغرب و الشمال بالجنوب.
و كما يعلم الجميع تنقسم هذه الممرات من حيث طبيعتها إلى نوعين رئيسيين، أولاً ممرات طبيعية و هي المضائق التي تشكلت بفعل الجغرافيا و التكوينات الأرضية، مثل مضيق ملقا و سوندا و هرمز و باب المندب و جبل طارق و غيرها و ثانياً ممرات صناعية من صنع الإنسان، مثل قناة السويس و قناة بنما و الفارق الجوهري بين النوعين في طبيعة السيادة القانونية؛ فالقنوات الصناعية تخضع لسيطرة الدولة التي أنشأتها و لها الحق في فرض رسوم عبور مقابل استخدامها مثل قناة السويس و بنما ، بينما تخضع المضائق الطبيعية، إذا كانت مستخدمة للملاحة الدولية، لنظام قانوني دولي مختلف تماماً.
هذا النظام تنظمه إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي أرست مبدأ يُعرف بـ “حق المرور العابر/ Transit passage” و هو مبدأ يضمن حرية الملاحة لجميع السفن عبر المضائق الدولية دون عوائق أو قيود او إجبار و بموجب هذا المبدأ، لا يجوز للدول المشاطئة لهذه المضائق أن تفرض رسوماً على مجرد العبور كما تحلم إندونسيا و إنما من حقها تحصيل مادي مقابل خدمات تقدمها للسفن مثل الإرشاد الملاحي أو خدمات السلامة و الإنقاذ.
وحين رأيت خبر وزير المالية الإندونيسي يطرح فكرة فرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق ملقة تعجبت لأن الإجابة معروفه عالمياً من منظور قانوني و واقعي كذلك لأن المضيق لا يقع ضمن السيادة المنفردة لإندونيسيا، بل تشترك في الإشراف عليه كل من ماليزيا و سنغافورة كما موضح في الصور المرفقه، ما يجعل أي قرار من هذا النوع يتطلب توافقاً جماعياً بالإضافة الي انه مقيداً بإطار قانوني دولي لا يسمح بفرض رسوم عبور مباشرة.
و لو افترضنا، أن إندونيسيا قررت المضي في فرض مثل هذه الرسوم بشكل أحادي، فإن ذلك سيضعها في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، بحيث ستتعرض لضغوط سياسية و اقتصادية كبيرة، كما قد يتم اللجوء إلى المحاكم الدولية بل و الضغط العسكري و الردع من دول شرق اسيا و تحديداً من الصين لحماية مبدأ حرية الملاحة.
و كل ما أعتقده أن وزير المالية الأندونيسي يريد أن يحدث مجرد بلبله اعلامية لأن إندونيسيا تتحمل بالفعل أعباء كبيرة في تأمين الممر من جانبها سواء من حيث مكافحة القرصنة أو الحفاظ على السلامة الملاحية أو حماية البيئة البحرية من التلوث كما تفعل سينغافورة و ماليزيا و هم الأكثر إستفادة للممر نتيجه للموانيء العملاقة و الخدمات المميزه التي تقدمها لكل السفن العابره للمضيق بالتالي من هذا المنطلق، الأجدى البحث عن حلول تعاونية مثل أن تقوم المنظمة البحرية الدولية أو مؤسسات دولية أخرى بتقديم دعم مالي أو فني لإندونيسيا، سواء في صورة منح أو قروض ميسرة، بما يساعدها على القيام بهذه الأدوار دون الإخلال بالقواعد الحاكمة للملاحة الدولية.
في النهاية إن الطرح الصادر عن وزير المالية الإندونيسي يظل غير قابل للتطبيق من الناحية القانونية، لانه يتعارض مع القواعد المنظمة للمضائق الدولية و على نفس النهج ذاته، فإن مضيق هرمز لا يمكن قانوناً أن يخضع لسيطرة منفردة من قبل إيران و سلطنة عمان ، لأنه محكوم بنفس الإطار القانوني الدولي و كل ما نشهده حالياً هو فرضاً للأمر الواقع بقوة السلاح و هو مسار ينبغي معالجته عبر القنوات القانونية و الدبلوماسية، بعيداً عن محاولات فرض رسوم عبور، حفاظاً على هيبة القانون الدولي الذي بات في حاجة ماسة إلى من يفعله و بطبقه و يصونه في ظل نظام عالمي قديم مهلل ضعيف و غير عادل نشاهد و نعاصر جميعاً نهايته تحضيراً لدخول النظام العالمي الجديد.
مرفق فيديو مسجل من تصويري لبداية عبور مضيق ملقا من الجانب الشرقي في اتجاه الغرب.





