مقال بقلم : د . مختار القاضي
تسبب مقتل شاب أمريكي أسود ، يدعى “جورج فلويد” على يد شرطي أمريكي في قيام أكبر موجة مظاهرات في تاريخ أمريكا . كان جورج فلويد قد ذهب إلى متجر يملكه فلسطيني وطلب منه سجائر وأعطاه عشرين دولارا ، فادعى صاحب المتجر أنها نقود مزورة وقام بإبلاغ الشرطة ، حيث تعاملت معه أسوأ معاملة رغم أنه كان مسالما ولم يبد أي مقاومة ، وعندما دفعه أحد أفراد الشرطة لدخول سيارة الشرطة أبدى رفضه لذلك وتم طرحه بقوة أرضا ، وقام أحدهم بوضع حذائه بقوة على رقبة فلويد مما منع تدفق الدم إلى المخ ، وقام الثاني بوضع قدمه على ظهر فلويد بكل قسوة ليمنع الهواء عن الوصول للرئتين ففقد فلويد الوعي وراح في غيبوبة ، وعلى الرغم من تحذير المارة لرجال الشرطة من فعلتهم هذه ، إلا أنهم لم يستجيبوا لهم ولم يتعاطفوا معه ، ثم تم نقله إلى المستشفى حيث وافته المنية وقتل ظلما ، واتضح بعد ذلك أن العملة الورقية فئة ال٢٠ دولار سليمة وليست مزورة .

ومرت ثلاثة أيام ولم يقدم الجناة للمحاكمة إلى أن انتشر الڤيديو الذي صور الحادث بالتفصيل ، مما تسبب في اندلاع مظاهرات في ٣٠ ولاية أمريكية ، صاحبها وقائع سلب ونهب لمحلات ومولات تجارية ليقوم الرئيس ترامب بتهديد المتظاهرين بتدخل الجيش وضرب المتظاهرين بالنار ، مما أثار استياء الشعب الأمريكي وحفز خصومه السياسيين على توجيه انتقادات لاذعة له . من ناحية أخرى ، ظهر الرئيس الأمريكي أمام البيت الأبيض تحيطه الحراسة متجها إلى إحدى الكنائس ، حاملا معه الإنجيل وهو أمر مرفوض في الدول المدنية الديمقراطية التي لا تميز بين الأديان ، مما اعتبره البعض عنصرية وتمييز وانتحار سياسي من رئيس أقوى دولة في العالم .

نال المتظاهرون كل مطالبهم وتم تقديم الجناة للمحاكمة ، ولكن لا تزال المظاهرات المناهضة للعنصرية تشتعل أكثر وأكثر نحو المزيد من المطالب . الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما حث الشباب من أصول أفريقية على الشعور بالأمل وأكد لهم أن التغيير الذي ينشدونه قادم ، كما قال في ندوة عبر الإنترنت بسبب عنف الشرطة إن الإحتجاجات غير كافية ، داعيا إلى التصويت بكثافة خلال الانتخابات المقبلة لإحداث التغيير ، كما طالب بتغيير القوانين الحالية لضمان تحقيق العدالة للمواطن الأمريكي والعصيان المدني واستمرار الاحتجاجات حتى يشعر المسئولون بعدم الارتياح ، وبالتالي الاستجابة لمطالبهم .

أما الرئيس الأمريكي السابق چيمى كارتر ، فقد عبر عن آلامه بسبب الظلم الواقع على چورچ فلويد ، رافضا استخدام العنف العنصري وماترتب عليه من عنف شعبي في الشارع الأمريكي ، كما طالب السلطات بالتصدي لنظام الشرطة والتمييز والعنصري .

أما الرئيس الأمريكي السابق چورچ بوش الابن فهو الوحيد بين الرؤساء السابقين الذي عبر بقوة عن شعوره بالانزعاج الشديد والخوف نتاج الظلم الذي يخنق مواطني بلاده ، وانتقد مظاهر العنصرية في بلاده ووصفها بالفشل المذهل ، وطالب بحماية المحتجين واتهم بوش من يحاولون إخماد الاحتجاجات بأنهم لا يفهمون معنى أمريكا على حد تعبيره ، كما طالب بطريقة أفضل للتعاطف والالتزام المشترك والعدالة ، وهو ما اعتبره مراقبون توبيخا لسياسة ترامب في معالجة الأزمة .

ومن ناحيته ، عبر الرئيس الأمريكي السابق بل كلينتون عن كون رسالة العرق لا زالت تحدد كيفية معاملة الشخص في بلاده ، وطالب الإدارة بالتوقف عن التهرب وإلقاء اللوم والمسئولية على الآخرين ، وأن تحرص على التعامل بروح الفريق وليس التفريق . وقد صاحب هذه الاحتجاجات انتهاكات كبيرة من الشرطة الأمريكية في حقوق المتظاهرين من دهسهم بالسيارات واستخدام القنابل المسيلة للدموع وقاذفات التوابل والضرب والقسوة وغيرها من الأساليب التي يحرمها القانون الأمريكي .

من المعروف أن الدستور الأمريكي يعطي الحق لكافة المواطنين الأمريكيين في التظاهر ، كما يمنع التعرض للمتظاهرين السلميين بأي طريقة من الطرق . ومن المؤكد أن هذا الحادث سيكون له تبعات على مستقبل أمريكا في الفترة القادمة ، وكذلك مستقبل الرئيس الأمريكي نفسه الذي أصبح مهددا بعدم إعادة انتخابه خلال الفترة القادمة ، وخصوصا مع تنامي أعداد المصابين بڤيروس كورونا في أمريكا وتدهور الخدمات الصحية .







