العلاقات المصرية اليبية لم تكن يوماً وليدة اللحظة أو مرتبطة بظرف عابر، بل هي علاقة ضاربة بجذورها في عمق التاريخ العربي الحديث، عنوانها الأخوة و المصير المشترك و دعونا نتذكر جزء منها حتي نعلم جميعاً أن بوحدتنا نستطيع.
فمنذ خمسينيات القرن الماضي، و مع صعود الزعيم جمال عبد الناصر، كانت مصر داعماً لحركات التحرر في الوطن العربي و ليبيا لم تكن إستثناءً، فقد تبنى عبد الناصر نهج دعم إستقلال الدول العربية و مساندة الشعوب في مواجهة الإستعمار، و كان لصوت مصر تأثير كبير في دعم التوجهات الوطنية الليبية بعد الإستقلال عام ١٩٥١ و حتي عام ١٩٦٩ خاصة في ترسيخ الفكر القومي العربي و تعزيز الروابط بين البلدين مع تقديم الدعم السياسي و الإعلامي الذي ساهم في تقوية الهوية القومية العربية الرافضة للإستعمار و أي تواجد غربي في ليبيا و منطقتنا خلال تلك المرحلة.
و مع تطور الأحداث في المنطقة، ظلت مصر دائماً حاضرة في دعم إستقرار ليبيا، تحديداً خلال السنوات الأخيرة أثناء مواقف الدولة المصرية بقيادة عبد الفتاح السيسي، حين دعمت مصر مؤسسات الدولة الليبية و أكدت على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية.
وقد برز هذا الدور في عدة محطات، من بينها إعلان خط “سرت – الجفرة” كخط أحمر لحماية الأمن القومي الليبي إلى جانب الدعم الإنساني الكبير الذي قدمته مصر خلال الكارثة الطبيعية، حين سارعت القوات المسلحة المصرية لتقديم الإغاثة و المساعدة للأشقاء الليبيين.
كما لعبت مصر دوراً مهماً في إعادة إعمار ليبيا، من خلال مشاركة الشركات المصرية في تنفيذ مشروعات البنية التحتية، من طرق و كباري و تطوير الموانئ، فضلاً عن التعاون في المجالات الأمنية و المعلوماتية لدعم إستقرار الدولة الليبية و المصرية من خلال كل الزيارات التي نفذها رئيس المخابرات العامة السيد اللواء حسن رشاد للمعنيين في ليبيا.
وفي ظل التحديات الإقتصادية العالمية الحالية، برز من جديد الشراكة المصرية الليبية في مجال البترول، خاصة بعد تأثر إمدادات النفط الكويتي نتيجة غلق مضيق هرمز، وهو ما يعكس عمق التكامل بين البلدين.
و على المستوى الشعبي، تظل العلاقات بين الشعبين المصري و الليبي نموذجاً نادراً للأخوة الصادقة و قد عكست تعليقات الأشقاء الليبيين عبر مواقع التواصل الإجتماعي حجم المحبة و التقدير لمصر، مؤكدين أن الروابط بين الشعبين أكبر من أي خلافات سياسية.
وعلى المستوى الشخصي، لا يمكنني أن أنسى تجربتي داخل الأكاديمية البحرية، حيث جمعتني سنوات الدراسة بزملاء ليبيين أعزاء، عشنا معاً تفاصيل الحياة اليومية، وكنا مثالاً حياً لوحدة الشعوب العربية. زملائي الربان مصطفى فتح عزات و الربان عمران الفرچاني، كانوا و لا يزالون من خيرة الشخصيات و الكفاءات المشرفة في ليبيا الشقيقة.
في النهاية، تبقى الحقيقة الثابتة أن الشعوب العربية ستظل مترابطة، مهما إختلفت سياسات و مصالح الدول فالعلاقات بين الشعوب أقوى من أي خلافات و ستظل علاقات الشعوب العربية نموذجاً حياً للأخوة التي لا تنكسر عبر الزمن.





